![]() |
د/ يحى ولد الصغير |
ج.أ- النظام الحانوتي/3
"أودية العطش" والنظام القبلي
النظام الحانوتي، القبلي،
الجيبي، .... كلها أسماء لمسمى واحد جثم على البلاد مذ خمسة عقود ونيف ويبدو أن
الشيخ بعد تكاثف دلالات التسميات والمفاهيم المتعلقة بما يزيد على نصف قرن من
الحكم الريعي في البلاد لا على مستوى أن السلطة الموريتانية مجرد حارس للمستثمرين
الأجانب، فلو كان الأمر كذلك لكنا في مرتبة الدول الإفريقية الأخرى، وإنما تتمثل
هذه الريعية في اعتبار السلطات الموريتانية بمثابة البودجارد لتجار موريتانيين
يطلقون على أنفسهم درجة رجال الأعمال.
وأظن أن قضية عمال الميناء التي أثارها
"كارب" سيد(هم) محمد ولد غده الذي يريد الاستعلاء على السلطة والعمال
وعدم دفع حقوقهم، على غرار بقية التجار، مثال حي على هذا الأمر.
غابت الآيات التي ألفنا الكاتب
يستهل بها المقالات الخطب الموسومة بالنظام الحانوتي من الاستهلال وظهرت في المتن،
ولم أجد سببا غير تشتت مفاصل المقال الأخير إلى درجة لم يجد استهلالا ينظم فقراته
فاستأثر أن تأتي الآيات داعمة لبعض الفقرات في المتن بعد أن كانت في الاستهلال
تعالج القضية الجوهرية التي تقف وراء المقالات الثلاث؛ وهي إرجاع عدم الانسجام في
ما كتب الرجل في مرحلتيه إلى صفة البحث عن الحقيقة التي وصف بها الكاتب نفسه
ضمنيا، على الرغم من أن المرحلتين تشتركان في قوة اندفاع الرجل في الدفاع عن
مواقفه، نتمنى أن يكون الدافع في البحث عن الحقيقة وطنيا على غرار رأي الكاتب
باعتبار ورود دوافع أخرى ذكرتها بعض الردود، سنذكرها في محلها.
بروز مفهوم حكم الفرد من جديد
والحزب الحاكم وما إلى ذلك من مفاهيم التصقت بذهنية أواخر الخمسينيات وبداية
الستينيات عندما حكم الرعيل الأول من المناضلين السياسيين والمكافحين من أجل
الاستقلال التام الذي أضفى عليهم شرعية الحكم المطلق وما تلاه من دكتاتورية وتحكم
في رقاب الشعب على مستوى القارة الإفريقية، وانقلابات شرعنها بعض النافذين
"المثقفين" في البلاد وعلى الرغم من أن نظام الحزب الواحد قد حكم البلاد
منذ الاستقلال إلى أواخر السبعينيات فإن تلك الفترة اتسمت في العالم بتلك الصفة
بناء على اعتبار الرواد أنقذوا البلدان من نير الاستعمار.
ولكن ظهور الشرخ الاجتماعي الذي
نجم عن أحداث 1966 وظهور حركة الكادحين على الرغم من اتهام السلطات الموريتانية
بقمعها من أجل القضاء عليها؛ قد شكل جوا من الحرية تولدت منه بعض المشاكل التي
تفاقمت أثناء حرب الصحراء حسب البعض؛ وترجمها العسكر إلى انقلاب عسكري أصل لكارثة
الفساد التي تلقفها المجتمع الأهلي الموريتاني بكل أريحية وأظن أن محاربة الفساد
ينبغي أن تُتبع فيها معايير أردع وأقوى عقوبة مما يتبعه النظام الحالي الذي اتسم
بالريادة والسبق لنظرائه في هذا المجال رغم ما أثير حول محاربته للظاهرة المستفحلة
من أسئلة وقضايا من أهمها اتهامه بالانتقائية.
يعتبر التركيز على القبيلة ميزة
سياسية تولدت منذ تبني المشروع الديموقراطي أو فرضه من متران وجورج بوش الأب، إن أردنا
الدقة في بداية التسعينيات فقد لعب عليه نظام ولد الطايع الذي شتت القبائل شيعا في
سياسة استفحل فيها التقري الفوضوي وزادت فيها البلديات بأعداد هائلة وقلصت فيها
حدود المدن إلى درجة أصبحت فيها بعض القرى البلدية تمسح مساحة تفوق مساحة عاصمة
الولاية بكثير، تقسيم إداري غريب قرابة اقتناء شهادة الصحة في البلاد، بطاقة تباع
وتشترى لا تمت بصلة إلى حاملها إلاّ باسمه الذي يوضع عليها وضعا من طرف الممرض
البائع.
صحيح أن هذا التوجه المعتمد على
القبلية في حقيقته فرديا أو فردانيا باعتبار أن النظام يتصل بشيخ القبيلة أو وجيه
من وجهائها قد ورث هذه الوجاهة التي لا يستحق في حال من الأحوال انطلاقا من
المسلمات الاجتماعية المتهالكة التي يؤمن بها المجتمع بطريقة غريبة فتنهال الهدايا
بأنواعها على ذلك الشخص وأسرته من أجل تقديم صكوك بيع قبيلته يبتاع منه النظام ذمم
أفراد القبيلة على طريقة البنوك الربوية ويلبي أفراد القبيلة الدعوة بقرع طبول
القبول غير عابئين بأنهم يبايعون النظام بطريقة ملتوية وغير شرعية ولا دستورية
مسلمين له العنان في نهجه الذي لا يقل عشوائية عن طريقة قبولهم للتصويت له.
ويبدو حسب المقال أن النظام
الحالي ورث هذه القضية على نظام معوية، ولا غرابة في ذلك فللقبيلة، رغم سلبية
استثمارها بطرق ملتوية عديدة، مكانة كبيرة في لا وعي الموريتاني خاصة أن صندوق الضمان
الاجتماعي أو "اكنام" في النسخة الجيدة لم يستطيعا تلبية ما يمكن للقبيلة
حله في فترة وجيزة فصحيح أن للقبيلة وجه اجتماعي إيجابي متميز ولكن إذا ما تم
استثمارها سياسيا مكان الكفاءة والبرامج الانتخابية سنكون بمثابة من يريد جمع
"الدقيق" في مهب الريح.
أحصى الطبيب خمسة عشر منصبا
سياسيا وإداريا نسبها إلى قبيلة الرئيس بعد أن أثنى عليها نتيجة لما حفظه التراث
الشعري من أمجاد نسبت إليها، .... وهو أمر ليس بغريب عندنا خاصة أنّ تراثنا حفظ
لنا "حكما" مأثورة مثل "ألّ اتولّ شي ظاكو" و"ليْد ألاّ امْنْ
ارْجَلْها" و"إلّ احْكَم اعْشَاهْ لَغْداه ما تَشْتْفَ فيه اعْداه"
و"المَاهُو فَكْبِيلُو حبْش تكْلَع ليلو"... (حكم حسانية للشيخ الفلاني،
في، فيسبوك) وأمور كثيرة إذا ما حللناها سنجد أنها تدور في هذا الفلك ولكن مهما
كان، فعلى دعاة القبيلة إن لم يستسيغوا استيعاب مفهوم الدولة العصرية ومقوماتها أن
يعتبروا الدولة قبيلة وأنها في هذا العصر حامية المواطن وأن لكل مواطن دوره الخاص
الذي ليس من حق أي أحد نيابته عنه أو وساطته فيه، فلماذا نعتمد لكل شيء وساطة؟.
أثار الطبيب قضية حساسة تمثلت في
محاولة إحداث رجة في ما أسماه "حكم البيضان" الذي حدده Francis
De Chassey في
كتابه " موريتانيا من سنة 1900 إلي 1975" ترجمة الدكتور محمد ولد
بوعليبة ولد الغراب؛ في تراتبية كاريكاتورية لا تزال مهيمنة فـ"المجتمع
المحلي شديد التراتب والطبقات الاجتماعية محددة بوضوح؛ بالوراثة والتقاليد"
(الأخبار).
والمجتمع المحلي يعني "أرض البيضان"
باعتبار أن الاستشهاد المذكور مأخوذ من نص نُشر 1924 فبعد تسعين سنة لا تزال
الإشكالية مطروحة فلا يزال التصنيف الاجتماعي نفسه طبقات اجتماعية محددة تلعب فيها
الجينات الوراثية والتقاليد البائدة دورا كبيرا، والأدلة معاشة يوميا لا داعي
لذكرها.
انتقل الطبيب إلى العامل
الاقتصادي، مربط الفرس ومسبار الغبن الاجتماعي، وقد ذكر أرقاما مهولة لا يتعذر
تصديقها لما بين صادرات البلاد من خيرات وانتشار مظاهر الفقر في العاصمة دون أن
نذكر مثلثات الفقر المنتشرة عبر البلاد ولست هنا أتهم النظام الحالي على غرار الطبيب
وإنما أعتبر الأمر موروثا من المتتالية الاجتماعية الطبقية التي حكمت البلاد منذ
أزيد من قرن أو قرنين باعتبار أن كثرة المنظمات الخيرية المحاربة لظاهرة الفقر لم
تنطلق من دراسات اجتماعية تاريخية تبني عليها استراتيجية مكافحة الظاهرة وإنما
انطلقت من المظهر الخارجي للتوزيع الحضري والتقري الفوضوي العاكس للظاهرة والمتضمن
لرسائل خفية تستجدي من خلالها الأنظمة المتعاقبة على البلاد المنظمات الاقتصادية
العالمية على غرار ما كانت تعكسه الكبات التي تغلب عليها النظام الحالي من ناحية
تقسيم الأراضي في انواكشوط وانواذيبو، ومحاولة دمج بعض القرى في مدن حضرية، وخلق
أخرى جديدة.
اختتم الطبيب المقال بالتعريج
على عدة قضايا مثل بروز أغنياء جدد، وإفلاس آخرين قدماء، بالإضافة إلى ظهور حركات
حقوقية اتهمها بالعمالة وتفشي ظاهرة التجني على المقدسات، وظهور جيل جديد من ناهبي
المال العام أشد نهما في شفط المال العام وابتلاعه من المعلمين التقليديين وبعد
اكتمال الصورة يظهر النظام الجديد مجسدا للمتولوجيا اليونانية على الأرض، من خلال
شخصية دينيسيوس التي تعتبر مرجعا أساسيا في إرساء أنظمة المرتزقة.
وينتهي المقال الخطبة بالوعظ.
وهذه الأمور كلها على الرغم من أن بعضها ظهر في النظام الحالي لا يمكن في حال من
الأحوال أن نربطها به باعتبار أن بعض المسائل نتاج تراكمات عديدة منها ما هو خارجي
ولد طريقة جديدة في الكتابة رام أصحابها خرق الحجاب الحاجز لثقافتنا الاسلامية
نتيجة الحراك الذي أسقط بعض الدكتاتوريات القديمة، ومنها ما هو داخلي نتيجة
التصنيف الاجتماعي الجائر الذي اتخذ من الصراعات العرقية والدينية مرجعا له إلى حد
أن ولد امخيطير أراد تأصيل الظاهرة في مجتمع الدولة المدينة في صدر الإسلام قافزا
ما يزيد على 14 قرنا من الزمن وشمال إفريقيا والبحر الأحمر.

4 التعليقات:
الماهو فاكبيلو حبشة تكلع ليلو: نتمنى أن يقلع المجتمع الموريتاني عن العمل بهذا المثل أو أن تكون القبلة عنده بمعنى الدولة حسب دعوة الكاتب
أرى أنك تستعصي على التصنيف داخل ثنائية مثقف النظام/مثقف المعارضة وهو أمر محمود بالنسبة إلي
ههههههههههههه، ترصاف ول اخيطير التاريخي والجغرافي ذكرني بكلمة قالها الأستاذ الكبير المرتضى لأحد التلاميذ أثناx تحفيظه لنا لقصيدة أبي تمام: السيف أصدق إنباء من الكتب
صحيح أن وراثة أمجاد حققها جد معين، وتعاسة عاشه أجداد آخرون يعتبر من المسببات الأساسية لانتشار ظاهرة التمايز الاجتماعي المتحكمة في العقول في مجتمعنا. فينبغي أن يسن قانون جديد يجرم هذه الظاهرة على غرار قانون تجريم العبودية والعمل بهما