لاقتراحاتكم ومشاركاتكم يرجى مراسلتنا على العنوان التالي:alegcom@hotmail.com

الجمعة، 24 يونيو، 2016

للإصلاح كلمة: تتعلق بالإنفاق في سبيل الله (ح: 2) رأي

كلمة الإصلاح ما زالت في حلقتها الثانية في شهر رمضان المبارك تـتابع العبارات القرآنية التي أوردها المولى عز وجل عندما يريد ذكر الإنفاق في سبيل الله، تلك العبارات التي لم ترد في أي إشادة بفعل خير كما وردت في التعبـير المتعلق بهذا الإنفاق.

ففي آخر الحلقة الأولى ذكرنا أن الله قد أوضح المالك الحقيقي للمال وهو الله جل جلاله لأنه هو الموجد له والموفق إلى جعله في يد صاحبه وجعل المالك له المجازي هو الإنسان المستخلف في تسيـيره فقط يقول تعالى {وأنفقوا من ما جعلكم مستخلفين فيه} ولكن هذا المستخلف إذا وفقه الله للإنفاق من الأموال في سبـيل الله يعطيه الله على ذلك أجرا عظيما كما جاء في الآية الموالية لذكر الاستخلاف فيها يقول تعالى {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير}.

وبالرجوع إلى مكانة هذا الإنفاق ووروده مع الإيمان فسيدرك أنه جزء من الإيمان لا يتحقق أجر الإيمان إلا إذا كان معه هذا الإنفاق.

فبالرغم من أن الزكاة هي جزء من هذا الإنفاق وأنها واجبة يقاتـل على تركها فإن الإنفاق الآخر التطوعي هو رديف الأعمال الصالحة التي يكتسب منها المسلم الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة.

والآن سنحاول أن نذهب مع القرآن في بعض آياته التي تشيد بهذا الإنفاق وتذكر مكانـته مع الإيمان في كل شيء.

ففي بداية القرآن بمعنى عندما تبدأ تـقرأ القرآن سوف تبدأ بالفاتحة التي فيها أول طلب من الإنسان لربه في أن يهديه إلى الصراط المستـقيم الصراط الذي سلكه الذين أنعم الله عليهم من النبـيـئين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا الصراط المستـقيم هو تـنفيذ كل ما جاء في هذا القرآن الذي سيأتي بعد هذا الطلب الوارد في سورة الفاتحة، وسوف نلتـقي مباشرة بعد ذلك في أول هذا القرآن بقوله تعالى: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتـقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقـناهم ينـفـقون} هكذا سرد الأوصاف الثلاثة للمتـقين في آية واحدة.

فالمعلوم أن هذه الأوصاف الثلاثة مجتمعة يراد منها شرح أوصاف المتـقين الذين يؤمنون بالغيب وهو كل ما جاء عن الآخرة من ما قصه الله علينا في هذه المعجزة الكبرى وهي القرآن وكذلك إقامة الصلاة الموحى بالإيمان بهذا الغيب الذي فيه الأجر على إقامة الصلاة وثالث الأثافي للهدي هو قوله تعالى {ومن ما رزقناهم هم ينـفـقون} فكأن الله يقول في بداية القرآن إن الصراط المستـقيم الذي طلبتموه في سورة الفاتحة ها هو قد بينـاه لكم ملخصا في أول القرآن وهو أن تؤمنوا بالغيب الذي جاء في القرآن وتقيموا الصلاة وتـنفقوا من مما رزقـكم الله.

وبعد هذا التـنـبـيه على مكانة الإنفاق وأنه رديف الإيمان بالغيب وإقام الصلاة تـتـوالى الآيات في أثـناء هذه السورة الثانية من القرآن والتي يمكن تسميتها بسورة الإنفاق في سبيل الله كما سيأتي الكلام على هذا الإنفاق في السورة مفصلا ومضروب فيه من الأمثال في كـثرة الأجر بما لم يخطر على بال ولا يمكن لحاسب مهما كان أفكاره أن يصل إلى منتهاه لأن الله سيقول في آخر تـلك الآيات والله يضاعف لمن يشاء هكذا يترك المشيئـة وحدها هي التي تعرف مدى ذلك الضعف.

وعـندما نـتـقدم قليلا مع سورة البقرة فسنجد أن الله أخذ الميثاق على بني إسرائيل أنهم بعد إقرارهم لله بالعبودية أن يحسنوا إلى الوالدين وينـفقوا على أقربائهم الفقراء واليتامى والمساكين ويتبعون ذلك بالقول الحسن للجميع.

أما عندما نـتقدم بعد ذلك مع نفس السورة فسنجد أن الله تبارك وتعالى جمع بالتفصيل بين أنواع البر مع الله وأدخل في وسطها عبارة الإنفاق في سبـيل الله جاء بها بصيغة تـقـلعها من جذور الإيمان في صاحبها حتى أصبحت تـلك الصفة كأنها شرط في قبول هذا الإنفاق بل أوضح هذا المعنى في سورة آل عـمران الموالية، ففي سورة البـقرة يقول تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم قـبـل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبـيـئـين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبـيل والسائلين في الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئـك الذين صدقوا وأولئـك هم المـتـقون}.

هكذا نجد المولى عز وجل جاء بهذا الإنفاق منعوتا بوصفه الخاص به بين مجموعة من أوصاف المسلم فقد حصر التـقى في الأخير في القيام بها وذلك بالإتيان بالضمير المنفصل حصر فيه التقوى فقال تعالى {أولئـك الذين صدقوا وأولئـك هم المتـقـون} وهذا الوصف الذي خص به الإنفاق هنا وهو إعطاؤه مع حبه للمال هو الذي في سورة آل عمران حيث عبر بحرف "لن" الامتـناعية وذلك في قوله تعالى {لن تنالوا البر حتى تـنفقوا مما تحبون} فـ"لن" هنا هي لن الامتناعية عن وجود أجر هذا البر في المستـقبل بدون وجود هذا الوصف مع هذا الإنفاق وهو إعطاء هذا المال مع وجود حبه في النفس، ومعلوم أن هذا النوع من الحب تكون له أسباب أما الاحتياج إليه لاستعماله في النفس وهنا يمدح الله أهل هذا الإنفاق كما قال تعالى {ويوثـرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} وإما لعلو هذا المال ومكانته في النفس وهنا يقول تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تـنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه وأعلموا أن الله غني حميد}.

ومن هنا نصل إلى ما يمكن تسميته بمركز الإنفاق في القرآن في نفس هذه السورة وهي سورة البقرة، يقول تعالى: {مثـل الذين ينفقون أموالهم في سبـيل الله كمثـل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} هذه الآيات المتتالية زاوج الله فيها بين الحث الأكيد وإظهار الأجر الكبير وبين الحث الكثير والتحذير الكبـير من إحباط هذا العمل الجليل بأي نوع من أنواع المن والأذى حذر من كل فعل يحول أجر فعل الخير إلى الهباء المنـثور كما قال تعالى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منـثـور}، هذه السلسلة من الآيات التي تـتـكلم على الإنفاق في سبيل الله بدأت بضرب مثل يعجز العقل الحاسب عن معرفة نهايته يقول تعالى {مثـل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثـل حبة أنبتـت سبع سنابل في كل سنبـلة مائة حبة}، فنحن نرى أن حبة واحدة أنبتت سبع سنابل وأن في كل سنبلة مائة حبة بمعنى أن الحبة الواحدة تضاعف في أول أمرها إلى سبعمائة ضعف، وهذا المعنى يدركه المزارعون جيدا لأن واحدا منهم يأخذ ثلاث كيل من الحب ويتألف الكيل الواحد من آلاف الحبات ويزرعونه في حقولهم فهم ينـتظرون من كل حبة أن تـنـبت سنبلة والسنبلة فيها مائة حبة، أما في الإنفاق في سبيل الله فجاء بعده {والله يضاعف لمن يشاء}.

فلو جعلنا مكان هذه الحبة أي وحدة أخرى كالأوقية مثلا وأنفقـنا ألف أوقية على المحتاج القريب المسكين فـكم تبلغ هذه الأواقي من المضاعفة عـند الله.

وكما قرأنا في هذه الآيات فإن هذا الإنفاق يحتاج إلى كثير من الرعاية ليـبلغ ما بلغ ولينـتج هذا الإنتاج الذي وصفه الله آنفا.

فليحذر المؤمن من المـن بهذا الإنفاق أو إيذاء المنفق عليه سواء بالكلام وأحرى بما فوق الكلام ولذا ضرب الله لإحباط الأذى لأجر الصدقة بمثـل تـنفطر من نـتيجته الأكباد فقال جل جلاله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعـناب} إلى قوله تعالى {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} بمعنى أن هذا المتصدق المؤذي عندما مات ويظن أنه سوف يجـد أجر صدقتـه وهو أحوج ما يكون لها فوجد أذاه للمتصدق عليه قد أحرق أجره يقول تعالى: {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يـبين الله لـكم آياته لعـلكم تـتـفكرون}.

وإلى الحلقة الثالثة والأخيرة بإذن الله.
محمدو ولد البار

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إعلان