لاقتراحاتكم ومشاركاتكم يرجى مراسلتنا على العنوان التالي:alegcom@hotmail.com

الجمعة، 16 فبراير 2018

الفقيد سيد آمين ولد أحمد شللَّ..الطريق نحو المستقبل ..


رحم الله أخي و صديقي الفقيد سيد ٱمِين ولد أحمدْ شَللَّ..
عرفته في بداية 1992 م و أنا حاكمُ مُقاطعة أَلاك و هو شاب يافع يتلمس بثقة و تبصُّر طريقه إلى المستقبل من خلال العمل السياسي المحلِّي.كان آنذاك يعمل موظفًا في شركة صوكوجيم.

كان ذا حيوية ظاهرة و نشاط دائب و ذكاء متوقد، و هو هادئ في تحركه، مرِنٌ في تصرفه، و ذلك ما خوَّله في تلك السن المبكرة دورا سياسيا أكبرَ من عُمره و وظيفته و لكنه دون طموحه الكبير.
و بموجب ذلك فرض لنفسه مكانة متميزة داخل التشكلة الطائفية في المقاطعة فاسترعى بذلك انتباه السلطات الإدارية و الأمنية و ربما تضاعف ذلك الإنتباه ابَّان الحملة الإنتخابية التي شهدت لأول مرة بعد اعتماد دستور 20 يوليو 1991 ، تنظيم انتخابات برلمانية عامة تميَّز فيها المعنيُّ بمساندته القوية للائحة التي قدمتها في مقاطعة ألاك طائفتة " الشورى " ضدَّ لائحة طائفة " الإتحاد " المعتمدة من قبل " حزب الدولة " الوليد الحزب الجمهوري الديمقراطي الإجتماعي.

تعيَّن ذلك بعد أن عجزتْ بعثة الحزب آنذاك المكوَّنة من الإطاريْن السامييْن لمرابط سيدي محمود ولد الشيخ أحمدْ و ادْيَنْكْ بُوبُو افَّربَا عن تقريب وجهات نظر الطرفين من أجل تشكيل لائحة موحدة .

كانت تلك الإستحقاقات هي ثالثُ انتخابات أشرف عليها في حياتي المهنية بعد تنظيم الإستفتاء على الدستور سنة 1991 في كيهيدي بصفتي الحاكم ، والإشراف على الإنتخابات البلدية المنظمة في دجمبر سنة 1990 في لعصابه باعتباري الوالي المساعد المكلف بالشؤون الإدارية.

و كادتْ تكون الإنتخابات الرابعة لولا أنني مرضتُ بعيْد وصولي ألاكْ فتخلفتُ عن تنظيم الإنتخابات الرئاسية حامية الوطيس المنظمة مطلع سنة 1992 بين مُعاويه ولد الطايع و أحمد ولد دادَّاه.

و قبل ذلك كنتُ قد واكبتُ ثلاثة انتخابات أُخرى هي الإنتخابات البلدية في بلدية " ابَّيْر التَّورس" سنة 1988 حيث كنت عضوا في اللائحة الموحدة و وكيلها المعتمد لدى الإدارة و أنا إذ ذاك أستاذ باحث في المدرسة الوطنية للإدارة ، و الإنتخابات البلدية في مقاطعة المذرذره سنة 1987 كمهتم  و الإنتخابات البلدية في انواكشوط سنة 1986 حيث تقلدتُ إلى جانب أخي الصحفي اللامع في الجزيرة محمذن باب بن ألفغ مهمات إعلامية محدودة في " اللائحة الصفراء " برئاسة الشريف المهندس مولاي عبد اللَّ " انْدَللَّ علَمًا" و ذلك تحت إمرة المسؤول الإعلامي بها السياسي البارز ببّها بن أحمد يوره.

و كنت أحد ممثلي هذه اللائحة في أحد مكاتب التصويت في انواكشوط و كان يرأسه آنذاك رئيس حزب الطليعة الوزير السابق خطري رحمه الله
.
و للتذكير فقد تنافس آنذاك على بلدية نواكشوط أربع لوائح اشتهرتْ بألوانها وهي البيضاء، و البرتقالية والصفراء و الزرقاء.

و بالرغم من التفوق الكبير للائحة الزرقاء ( المدعومة من قِبَلِ رجال الأعمال و القوة التقليدية في البلاد وقيل من قبل النظام)، فإنها لم تحصل على الأغلبية المطلقة فتم اللجوء إلى شوط ثانٍ بينها و بين اللائحة البيضاء الثانية في الترتيب فتفوقتْ اللائحة الزرقاء مرة أخرى و لكن بفارق ضئيل في عدد المستشارين.

وأثناء تصويت المستشارين كافةً على العمدة صوتَ بعض مستشاري اللائحة الزرقاء لصالح مرشح اللائحة المنافسة البيضاء فكانت النتيجة المفاجئة للجميع هي فوز الدكتور محمد محمود ولد امَّاه عمدةً لبلدية انواكشوط

و لقد عبر الفنان ولد عوَّ عن تلك المفارقات العجيبة التي حصلتْ آنذاك بطرافة فقال:" كانت اللائحة الزرقاء هو الأقوى فعلا من بين اللوائح الأربع المتنافسة إذْ أنها هزمتْهنَّ مُجتمعاتٍ في الشوط الأول ، و هزمت أقربهنَّ منها عددًا في الأصوات في الشوط الثاني، ثم هزمتْ نفسَها بعد ذلك"!

و أعود فأقول إنني مع ما شهدته حتى ذلك التاريخ من تجاربَ انتخابية ، فإنني ما صادفتُ قط مجتمعًا بمستوى النضج السياسي الذي تتحلى به الطبقة السياسية في تلك المنطقة و كان يجسده في أجلى صوره وأدق معانيه ما بهرني آنذاك من حسن التعامل الأخلاقي الرفيع بين ذلك الرجل المسن ذي الشيب المنير وكيل اللائحة المستقلة " الشورى" محمد فال بن بابيه و منافسه الأصغر منه سنا بكثير وكيل اللائحة الحزبية "الإتحاد" محمد عبد الله بن حيبلْتي عمدة بلدية ألاك.
و كنت دائما أتابع سلوك هؤلاء أثناء أصعب المراحل و كان سيد آمين وهو أصغر الجماعة سنا و هو الشورويُّ المخلص يتدخل بما لا توحي به سنه من الحكمة ليلطف الجو و يضمن انسيابية تلك المجالس المتواصلة التي تتداخل فيها إكراهات السياسة و ترتيبات الإدارة مع مقتضيات الأخلاق الإجتماعية العالية .

مرتْ الحملة بهدوء رغم أن المنافسة فيها كانتْ محتدمة إلى أقصى حد و جرى تنظيم الإنتخابات بدقة في سائر المقاطعات  و بعد اكتمال التصويت، عاد سيد آمين من حاضرة " لمدن" حيث انتُدب و هو رجل المهمات الصعبة و هي القلعة الحصينة للائحة المنافسة  فإذا به يحمل معه من التفاؤل أكثر من ما في جعبته من الأصواتْ.

و بعودته عاد مجلسنا إلى الإلتئام من جديد لاستقبال النتائج و إرسالها إلى وزارة الداخلية في انواكشوط من أجل مركزتها و إعلان النتائج.

 و واصل الوكلاء حديثهم تتغير وتيرتُه بتغيُّر النتائج حسب ورودها و لكنه ينتظمه سلك واحد هو الإحترام المتبادل.

و بعد ٱكتمال استقبال النتائج و إرسالها لم ننتظر طويلا حتى وصلتنا من إدارتيْ الحملتيْن أنباء متطابقة تؤكد ما تنبيءُ عنه الأرقام من فوز مرشحيْ اللائحة الحزبية و هما محمد محمود ولد أغربطْ و سيدي ولد يومَّه (الشوروي المنتزع في آخر لحظةٍ) على المرشحيْن المستقليْن و هما المهندس اسماعيل ولد أعمر و الشيخ محمد محفوظ ولد الشيخ القاضي بفارق طفيف جدا.

نزلتْ النتيجة على الطائفة الشوروية كالصاعقة و كان سيد آمين أكثرهم تحملا لتلك النتيجة غير المتوقعة من طرف الجميع.

أما أنا فكانت قد تحصلتْ لديَّ قناعة مبنية في معظمها على تقديرات المصالح الأمنية في المقاطعة مفادُها أن التنافس دائر في المقاطعة بين جماعتيْن " إحداهنَّ أغلبية فوضوية و الأخرى أقلية منظمة "و بالتالي فإن كل الإحتمالات مطروحة .

و بروحٍ رياضية عالية تجاوز هؤلاء تلك المرحلة و انطلقوا يستعدون بجرأةٍ كبيرة لانتخابات الشيوخ الوشيكة فأعلنوا فيها للمرة الثانية عصيانهم للحزب الجمهوري و أفصحواعن مرشحهم الإداري السابق سيد أعمر ولد سيدن في مواجهة مرشحه الأمير اهميمد ولد ببكر عمدة بلدية شكار فسرعان ما طابق الأمير بين سلطات ثلاث فضمّ إلى سلطته التقليدية كرئيس قبيلة و سلطته الإدارية كعمدة، وظيفته كشيخ ممثلٍ للحزب الحاكم في مقاطعة ألاك المركزية و لم تكن تلك الوظائف مُجتمعة تزيده إلاَّ بساطة و تواضعا و طيبَ خُلُقٍ .

وبذلك انحصرتْ في الطائفة الحزبية المنافسة جميع الوظائف التشريعية و كان حظها من الوظائف الإدارية أوفر من حظ الطائفة المنافسة علمًا بأنَّ المناصب الإنتخابية و المسؤوليات الإدارية السامية هي المعيار الوحيد الذي يُقاس به مدى ثقةِ النظام في الطوائف و المجموعات .

كان الأطر من طائفة الشورى ( ولم يكونوا بحجم جماعتهم )، يعتبرون أنفسم ضحايا و المتفائلون منهم ومنهم الفقيد سيد آمين يترقبون بثقة كبيرة أن يأتي ذلك اليوم الذي تدور عليهم فيه دورة العناية السياسية والإدارية فلا يحصل لهم معها كما حصل لهم من قبلُ عندما عرض الرئيس مُعاويه على أحد قادتهم هو المهندس اسماعيل ولد أعمر حقيبة وزير في حكومة سيدي محمد ولد ببكر فأعرض عنها فخسرتْها الجماعة الشوروية.

حولتُ من ألاك إلى لعيون في خريف 1992 و تركتُ الفقيد و جماعته يعيشون أحلامهم السياسية على تلك النبرة المتفائلة.

و تمر الأيام و لا أزال أسمع عبر الأحداث الوطنية المتلاحقة عن ذكر سيد آمين صاعدًا يلاحق طموحه المجنِّح ، حتى كدتُ أُدركه في قطاع الخارجية و التعاون إذ صادف تعييني فيها أمينا عاما يوم 16 اكتوبر 2009 مُغادرته لمنصب سفير في بامكو في الجمهورية المالية.

و لكن ذكره لم يغبْ عن الآذان لحظة واحدة تارة من خلال الحديث عن تلك العمارة الجميلة التي يعود إليه الفضل في تشييدها و تأثيثها لإيواء السفارة الموريتانية في أحد الأحياء السكنية الراقية من العاصمة المالية بامكو، و تارة عن تسخير علاقاته المتميزة مع الرئيس المالي و بعض أفراد أسرته من أجل تذليل عقبة كأْداء ظلت منتصبة تحولُ دون تحقيق مصالح عامة أو خاصة إلى غير ذلك من المآثر المحمودة

ما فتيء الرجل يترقى في المناصب الإدارية السامية ممتطيا صهوة السياسة التي اقتطع لنفسه فيها دائرة خاصة فأنشأ طائفة متميزة طبعها بميسمه الفردي و دخل في تحالفات جهوية ووطنية عريضة و عمل على ترسيخها و التمكين لها برافعة الأعمال الخيرية و الإنسانية الشاملة و بعقد شبكة علاقاتٍ شخصيةٍ واسعةٍ بعضُها مع رؤساء دول إفريقية مجاورة.

لقيته عدة مرات بعد تعيينه مستشارا في ديوان الوزير الأول بعضها في مكتبه و جلها صدفة خارجه لقد تغيرتْ ملامحه كثيرًا كما تغيرتْ ملامحي أكثرَ، و لكن لم تبرح مخيِّلتي حتى الآن صورته الأصلية أيام لقيته لأول مرة في شتاء 1992 في مدينة ألاكْ و هو شاب لا يزال يخطو خطواته الأولى بتبصُّر و ثبات نحو مستقبل واعد.

فوجئتُ مؤخرًا بالإعلان عن مرضه دون مقدمات بصورة تنبيء عن بلوغه فيه مرحلة معيَّنةً و صدمتُ بخبر و فاته يوم أمسِ عشيةً و أنا في طريق العودة من حاضرة " تيدمّلِّينْ " المحروسة حيث كنت أؤدي واجب التعزية لأشياخنا من أسرة أهل الشيخ سيديَّ في فقد عبد الله أخي أخويَّ في الله الشيخيْن الشيخ سيديَّ و عبد الرحمان " الفخامة علمًا " ابنيْ الحكومه بن الشيخ سيدْ المختار بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديَّ الكبير.

و هنالك لقيتُ وفدَ تعزية من أسرة أهل الشيخ القاضي فاسترجعت ابَّان لقائي بهم شريط ذكريات لي معهم يتقاطع في كثير من حلقاته مع هذا الذي عرضته بين ثنايا هذه التدوينة.

سألتُ اليومَ بعضَ قادة طائفته الشورى آنذاك و هو صديق مشترك بيننا عن زمان وصول جثمان الفقيد سيد آمين ولد أحمدْ شللَّ و مكانِ الصَّلاة عليه و التعزية فيه  فقال إن جثمانه يتوقع أن يصل ليلة السبت إلى انواكشوط قادمًا من لاسبالماس حيث كان يتعالج و أن تعيين محل التعزية يتوقف على عودة زوجته و أخيه المرافقين له.

أعزي فيه أبناءه و زوجته و إخوته و ذويه و أصدقاءه في الداخل و الخارج و جميع أهل ألاك و لبراكنه وسائر أفراد الشعب الموريتاني و أرجو لهم من الله حُسْنَ الصبر و السلوان.
اللهمّ اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرِم نُزله وأوسع مُدخلَهُ واغسلْهُ بالماء والثلج والبَرد ونقِّه من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس.
و إنا لله و إنا إليه راجعون.
رحم الله السلف و بارك في الخلف.
محمدن ولد سيدي الملقب بدنه حاكم مقاطعة ألاك 1992


ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إعلان