لاقتراحاتكم ومشاركاتكم يرجى مراسلتنا على العنوان التالي:alegcom@hotmail.com

الثلاثاء، 12 يوليو، 2016

الاحتجاج حق شرحي مستوحى من الواقع (رأي)

فن الاحتجاج متشعب كما وكيفا، معقد فهما وذوقا، متجدد وضعا ونهجا؛ وطرق التصدي للسياسيين الكبار والزعماء العظام، عند أنفسهم، كثيرة وضاربة في أعماق التاريخ: إذ ينقسم الإحتجاب إلى؛ فردي وجماعي ويوصف حسب سلاحه المتخذ سلميا كان أم حربيا. وإذا ما أردنا الحديث عن ظاهرة الاحتجاج التي فجرتها عندنا حادثة الصحفي الشاب الموريتاني الشيخ باي ولد الشيخ محمد سنعود إلى التاريخ البشري يمكن أن نلتقط أوجه قديمة عديدة تختلف حسب الوضعية والعصر والموقف.
   فمن ذلك نذكر حادثة ابني آدم إذ كان أحدهما يتعالى على الآخر؛ فاحتج بقتله لأنه لم يُتقبّل منه، ولأنه لا يريد تزويجه اخته. وكان احتجاج الآخر سلميا نستخلص ذلك من الرواية التالية:
"قال السدي - فيما ذكر- عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس – وعن مرة عن ابن مسعود – وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم: أنّه كان لا يولد لآدم مولود إلاّ ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى وُلد له ابنان يقال لهما: قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل وإنّ هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال: هي اختي، وُلدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّج بها.
   فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى، وأنّهما قرّبا قُربانا إلى الله عزّ وجلّ أيّهما أحقّ بالجارية، وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله عزّ وجلّ: هل تعلم أنّ لي بيتا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إنّ لي بيتا في مكة فأته. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال، فأبت. فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك.
  فلما انطلق آدم قربا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: إنا أحقّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلمّا قربا، قرّب هابيل جذعة سمنة، وقرّب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال: لأقتلنّك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير.
   نستنتج من هذه القصة "وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم" حسب ابن كثير، واصرار قابيل على قتل هابيل لأسباب عديدة ذُكر بعضها في ما رواه ابن جرير أعلاه.
  إحتجاج أخر تسبب في حرق مدينة طروادة وإن كان السبب المباشر ليس فقط خطف باريس لهيلين ملكة أسبرطة وإنما محاولة الملك منيلاوس السيطرة التامة على أقوى حصن وأغناه عند الإغريق أي مدينة طروادة التي جاءت قصتها أو بالأحرى قصصها في ملحمتي الإيلياذة والأوديسيه لهومروس. حوصرت طروادة لفترة دامت عشر سنين، وانتهى الحصار لما غضب أخيل للمرة الثانية، إذ كان سبب غضبه الأول وانسحابه من الحرب، ما دار بينه وبين الملك اجممنون حيث وضع يده على بيرسيس بنت أخ ملك طروادة وعشيقة أخيل فيما بعد؛ أما غضبه الثاني فبسبب قتل هكتور لابن عمه باتروكلس، إذ تشير الأسطورة إلى أن باتروكلس لما اعتزل أخيل الحرب أثناء غضبه على الملك، طلب منه أن يستعمل درعه وقناعه، ولما ارتدى ذلك ظن الجيش أن أخيل عاد إلى الحرب ففاض الحماس في الجنود واندفعو إلى محاربة جيش طرواده، فتحمس باتروكلس وطلب مبارزة هكتور ولكن هذا الأخير قضى عليه ظنا منه أنه أخيل؛ فكانت الدائرة على طروادة وقتل أخيل هكتور ولي عهد طروادة مبارزة. احترقت المدينة عن بكرة أبيها ومات أخيل، ومات منلاوس وبقي باريس وهلين وغيرهما ممن نجوا بمرورهم من الباب الخلفي.
نلاحظ من هذه القصة أن ردة الفعل المبنية على الطمع وعدم توضيح الدافع تودي بصاحبها إلى التهلكة.
   احتجاج آخر كان سببه جور الامبراطوريات وقياصرتها، فهذه روما تسعى إلى استلهام كل القوى العظمى التي سبقتها ومنها قرطاج، وهذا القائد حنبعل كاره روما وأسوء كوابيسها وكاسر هيبتها حتى أنه أصبح مثلا للخطر والشؤم في جميع المجالات، فعندما يخشى الرومان وقوع كارثة يقولون "حنبعل على أبوابنا". نقض حنبعل اتفاق حملقار مع روما على أن لا يتجاوز نهر الأيبرو، فتجاوزه واحتل ساغونتوم وهي مدينة مستقلة. بعد احتلاله للمدينة ذهب مسرعا لكي يغزو روما في عقر دارها في الحرب البونيقية الثانية آخذا طريق جبال الألب، فحقق انتصارات ثلاث كبيرة في معارك تريبيا وبحيرة تراسمانيا وكاناي، واحتل معظم إيطاليا في عقد ونيف، ولكنه عاد لما حول اسكيبيو الإفريقي الحرب إلى شمال إفريقيا وانتصر عليه في زامه. فانتهى أمر حنبعل قائدا عسكريا لا تزال الأكادميات العسكرية تدرس خططه إلى اليوم.
   احتجاج كان سببه الجور واستغلال العبيد بطريقة بشعة لا تتماشى ومركزية الانسان، من جهة، والتوق إلى الحرية والإنفلات من وحشية الرومان التواقون إلى الإحتفال بإراقة الدماء بين مدارس تمتلك عبيدا صناديد جبلوا على القتل من أجل النجاة بأنفسهم وشراء ذممهم للتحرر من براثين الزعامات الرومانية، كان من بين هؤلاء العبيد أو المستعبدين سبارتاكوس جندي روماني سابق امتنع عن محاربة بني جلدته ففر من الجيش ولحق به القائد فجلبه عبدا بيع لأحد المنازل التي تدرب العبيد بطريقة وحشية للقتال في الألعاب الرومانية الدموية.
   برز سبارتاكوس ذات يوم لما علم أن سيده الذي وعده بأن يجمعه بزوجته، هو من قتلها فقاد تمردا قللت روما من شأنه حتى تبين لها خطره وقوته وجبروته تنظيما وحنكة. استجاب العبيد لثورة مخلصهم في حرب الرقيق الثالثة، قضى سبارتاكوس ورجاله على فيلقين معتبرين من فيالق روما حتى دب الرعب واصبح سبارتاكوس هو شغل روما الشاغل ولكن دور العبيد الذين في قبضة الأسياد نالوا عذابا مبرحا خاصة عندما يذكر أحدهم اسم سبارتاكوس الذي تحرر بسببه مائة الف عبد.
   احتجاج آخر كان سببه طغيان كليبا وبغيه حتى أصبح يحمي الأراضي التي نزل فيها المطر فلا ترعى مراعيها ولا يحتدى في جنبه ولا توقد نار مع ناره ولا يستطيع أحد أن يغير على قومه إلا بإذنه ولا يستطيع أحد أن يمرّ بين يديه وإذا وردت إبله لا تستطيع إبل أن ترد معها، وكان يحمي مواضع الصيد، وكان له جرو إذا نزل في أرض فيها كلأ أطلقه فلا يستطيع أحد أن يرعى فيها إلا بإذنه، ولذلك أطلق عليه أعز من كليب وائل.
   سأل زوجته الجليلة بنت مرة ذات يوم هل تعلمين أحد أمنع مني ذمة، فسكتت، أعاد السؤال ثانية وثالثة فقالت له نعم: أخي جساس وابن عمه عمرو المزدلف؛ فسكت. ثم في مرة وهي تغزل رأسه فقال لها من أعز وائل قالت أخواي جساس وهمام، فخرج غضبان فرأى السراب ناقة البسوس أو ناقة سعد بن شمس الجرمي وهو جار للبسوس التي كانت نازلة في جوار ابن أختها جساس ابن مرة.
   رمى كليب فصيل الناقة بسهم فقتله، ويعد ذلك إهانة بالغة عند العرب، ولكن بنو مرة صبروا على هذه الإهانة؛ أعاد كليب السؤال مرة أخرى ما أعز وائل فردت عليه بنفس الإجابة؛ فسكت وخرج. ولما مرت به إبل جساس وكانت فيها ناقة البسوس؛ أمر كليب غلامه برميها من ضرعها. فلما رأت البسوس ما حصل لناقتها صاحت وا ذلاه، حاول جساس استرضاءها وتعويضها الناقة ولكنها أبت ونظمت أبيات:
لعمري لو أصبحت في دار منقـــــذ          لما ضيم سعد وهو جار لأبياتـــــي
ولكنّي أصبحت في دار غربـــــــــة          متى يعد فيها الذنب يعد على شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحــــــل          فإنّك في قوم عن الجار أمـــــوات
ودونك أذوادي فخذها وإنّـــــــــــــني          لراحلة لا تغدروا ببنياتـــــــــــــي
   استفزت هذه الأبيات جساسا فقال لها اسكتي إنني سأقتل جملا أعظم من ناقتك. ومن المعروف أن انتهاك حرمة الجار من أعظم الخطايا عند العرب.
   بعد هذه الأحداث ارتحلت قبيلة بكر وتغلب من منازلها، ولما وصل بنو بكر إلى نهي اسمه شبير، أجلاهم كليب عنه؛ فارتحلو إلى الأخص فاجلاهم كذلك، ثم مروا على بطن الجريئ ففعل معهم الشيء نفسه، ثم رحلوا إلى الذنائب فتبعهم كليب وقومه حتى نزلوا عليهم، فجاءه جساس وأحد بني عمومته يقال إنه عمرو المزدلف وقالا له لقد طردت أهلنا حتى كدت تقتلهم، تطور بينهم جدال فطعنه جساس بالرمح كانت سبب موته استجار كليب بعمرو أن يناوله شربة ماء ولكن عمرا امتنع.
   وعمرو هذا هو الذي قيل فيه المثل: "المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار". كان قتل جساس لكليب هو السبب المباشر للحرب التي دامت أربعين سنة حسب البعض انطلقت سنة 496، وقيل 498 م. خلدت الحرب أياما عديدة إلى أن قتل جساس ولكن التغلبيون انهزمو يوم تحلاق اللمم فأسر الحارث المهلهل ولكنه تمكن من خداعه إذ لم يكن الحارث يعرف المهلهل. فقال له الحارث دلني على المهلهل قال ولي دمي قال له: لك دمك، قال له ولي ذمتك وذمة أبيك قال نعم؛ قال له هو أنا. قال له دلني على كفئ لبجير فقال له مهلهل لا أظنه إلا امرؤ القيس بن أبان التغلبي، فأطلق الحارث المهلهل، وحمل على امرئ القيس وقتله. ذهب المهلهل إلى اليمن لأنه لم يستطع نسيان ثأر أخيه كليبا وأمر قومه بالصلح مع بني عمومتهم، ودارت به الأيام غريبا؛ وأجبر على أن يزوج ابنته سُليمة بنت المهلهل عنوة وكان مهرها من أدم. فأنشد المهلهل بكائيته الشهيرة:
أنكحها فقدُها الأراقم فـــــــي        جَنَبٍ وكان الحباء مــــــــن أدم
لو بأبانَيْن جاء يخطبهــــــــا          ضُرّج ما أنف خاطب بــــــدم
هان على تغلب بما لـــــقيت        أخت بني الأكرمين من جشـــم
ليسوا بأكفائنا الكـــــــرام ولا        يغنون من عيْلة ولا عــــــــدم
هذه القصيدة لما وصلت إلى تغلب وبكر نسوا الحرب والثأر وأنفوا فأنجدوه وأسروا زوج ابنته وعاد المهلهل إلى دياره ولكنه أشعل الحرب من جديد. أُسر المهلهل وأَحْسن إليه عمر بن مالك في أسره، ولكن المهلهل شرب يوما وذكر أبياتا تذكر فيها كليب وقتلى تغلب فلما سمع عمر بن ملك غضب وحلف أن لا يشرب عنده المهلهل خمرا ولا ماء حتى يرد الخضير، والخضير فحل إبل لا يرد إلا في اليوم السابع، فقال له قومه بئس ما حلفت وأرسلوا رجالا على الخيل فأحضرو خضيرا بعد ثلاثة أيام ولكن المهلهل مات من الظمأ.
  وكان الحارث بن عباد قد اعتزل هذه الحرب ومن المأثور عنه المثل المشهور "هذه الحرب لا ناقة لي فيها ولا جمل". ولكنه دخلها لما قتل المهلهل ابنه بجيرا إذ جاء يطلب الصلح بعد أن جاء البكريون إلى الحارث طلبا للنجدة.
   وعندما أدركت تغلب أن الدائرة دارت عليهم بعد أن دخل الحارث الحرب أدخلت رجلا في سرب تحت الأرض على طريق الحارث وأمرته بأن ينشد هذا البيت عند مروره:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنـــــــــــا          حنانيك بعض الشر أهون من بعض
ففعل الرجل ما طلب منه فقيل للحارث "قد بر قسمك فأبق بقية قومك"، ففعل فانتهت الحرب.
   ومن أوجه الاحتجاج ما دار في شرببه؛ فعندما بدأت حركة الفقيه الشاب ناصر الدين الشمشوي الديماني تغلق قبائل المغافرة أو القبائل الهلالية التي اكتسحت شمال إفريقيا والمشرق قبل ذلك كمصر والعراق- قادمة من نجد- من أجل بعث أمجاد دولة المرابطين. ويبدو أن بني حسان التي يقال أنها حاولت تفادي قبائل تشمشة لم يرق لها ذلك. فلما دخل فيها أحد من مانعي الزكاة حمته، ومن اللفت للانتباه أن عمر لما قال لأبي بكر الصديق أثناء حروب الردة "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ". "أينقص دين الله وأنا حي؟ !".
  أصر الصديق على قتال المرتدين رغم صعوبة الظروف، فالصحابة في حالة حزن والجيوش غير جاهزة، فقد كانوا حسب ابن الزبير: "كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقدهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقلّتهم وكثرة عدوّهم". ولكن كمال الدين والمحافظة على شريعة الله كما كانت عند الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الأساس عند الصديق وغيرها لا عبرة به، فكانت حروب الردة التي حفظ بها الله الدين وكسر على إثرها شوكة القبائل الباغية. فينبغي أن تكون هذه الكلمات ميسم نمط حياة الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا مجرد كلمات صلحت لفترة أبي بكر الصديق فقط. هنا يكمن بغي بني حسان ودخولهم الحرب انتصارا لمانع الزكاة رغم انتصارهم في الحرب التي دامت ست سنين من 1671 إلى 1676. وانهوها بشروطهم المعروفة.
   ومن أوجه الاحتجاج في الفترة المعاصرة يمكن إدخال الحربين العالميتين؛ وجميع حركات التحرر في العالم بالإضافة إلى جميع أنواع الاحتجاج السياسي والاجتماعي بالإضافة على الشرارة التي انطلقت من تونس واكتسحت شوارع العالم، ولكننا هنا بما أننا نسعى إلى تحديد أوجه الاحتجاج التي شوهدت في العالم الإسلامي الشرقي والمسيحي الغربي سنقتصر على الاحتجاج السياسي سواء أكان ذلك متعلقا بشخص مهما كان مركزه أو بحكومة أو بعض أفرادها.
   ولكن هناك أسلوب قديم جديد يبدو أنه أصبح وسيلة احتجاجية مؤثرة لما تشير إليه الوسيلة المتخذة من إحراج للمحتج في الحاضر "الحذاء"؛ ورمزية للترحال والانتقال وما يتضمن ذلك من دلالة على الموت عند بعض الشعوب الأوروبية التي تقوم بوضع حذاء الميت إلى جانب سريره رمزا للغياب الأبدي. خلافا لذلك فقد كان قدم الفتاة الصينىة دلالة على عفتها وبالتالي فحماية قدمها بالحذاء من أعين الرجال تعكس طهارتها. ويقال إن الملكة الإسبانية لما سقطت من فوق جوادها وعلق قدمها في السرج وذعر الحصان وقام بالركض ذهل الجميع لأنهم غير قادرين على تخليص قدمها من السرج، ولما تقدم شاب وخلصها، كانت مكافأته أن سُجن في أحد الأديرة تكفيرا لفعلته في انتظار العفو الملكي[1]. ويبدو أن للأقدام رمزية كبيرة في الثقافة الهندية. وقد شاع بيننا حديث وصف بالضعيف وعدم إمكانية نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو أنّ "الجنة تحت أقدام الأمهات".
   لقد جردت الأحذية من كل هذه الدلالات وحلت محلها دلالة جديدة لما استعمل الرشق محل معنى السكون والاستتار الذين كان معنيين أساسيين للقدمين والحذاء؛ في الحادثة التاريخية للصحفي العراقي منتصر الزيدي فكان المعنى الجديد بطوليا تمثل في إهانة عظمة وجبروت بوش وفضح تذلل وعمالة المالكي في لحظة كانت احتفالية بانتصارهما المزيف في العراق. فأخذ الحذاء رمزه الجديد من هناك، إذ أصبح سلاح الرافض لسلميته وإنزال للمتجبر من صهو غروره إلى سفح المهانة والشقاء. فقد لخص حذاء منتظر كل شيء؛ الكذب الأمريكي حول أسلحة الدمار الشامل التي اعتبرت سببا للعدوان على العراق، والتي تهدد وضعية تومي بلير هذه الأيام، وكذلك ادعاء انتصارات هزيلة لا زال ارتجاجها يدمر العراق إلى يوم الناس هذا؛ في حين لم يكن توقيت رمي وزير الثقافة بالحذاء بالدقيقة المطلوبة خاصة أن الكذب لم يبدأ بعد على الرغم من فهم الحكومة للدرس الجديد المتمثل في أن ادعاءات الحكومة وكذبها وتزلفها لم يعد له مكان لدى الرأي العام.
  فمنتظر الزيدي لما استحضر كل الأمور المذكورة، المضرجة بالدم والدمار، وبرزت له وضعية العراق الجديد عراق بريمر والمالكي وإيران قام بعمليته البطولية التي رفعت من قيمته في النفوس ورفعت من أسهم بيع كتاب "رمزية القدم والحذاء في الأدب والفن" على الرغم من أنه نشر قبل الواقعة البطولية.
  ومن الثابت أن منتظر ليس هو أول من سن عملية الإحتجاج بالحذاء وإنما سبقه في ذلك السكرتير العام للحزب الشيوعي خورتشوف احتجاجا على خطاب الرئيس الفلبيني اعتراضا على مطلب تحرير دول أوروبا الشرقية من السيطرة الروسية، ولكن الفرق بين خورتشوف ومنتظر أن الأول ضرب بحذائه منصة مجلس الأمن احتجاجا على التخل في الشؤون الروسية متأكدا من أن الفكرة ليست فلبينية وإنما مملاة عليها، فما فائدة الفلبين من تحرر أوروبا الشرقية. ومنتظر احتج على الغبي الأمريكي بوش الابن والغطرسة الأمريكية المحتلة لبلده المدمر في لحظة شانبانيا لدى بوش وحلفه الشيطاني فلم يضرب منصة قاعة المؤتمر الصحفي وإنما نصب الأنفة الأمريكية والعمالة العراقية شارة أحذيته فعظم شأنه في النفوس وأصبح احتجاجه مهد الاحتجاج بالأحذية.
   يبدو أن الرأي العام العالمي تلقى الحادثة بالقبول لما جنته أمريكا من ظلم وتجبر وقتل ودمار وزرع للأحقاد في العراق. فبعد أقل من شهرين لاقت الصين وإسرائيل وصندوق النقد الدولي نصيبهم من الأحذية في الجامعات: جامعة كامبردج حيث حادثة رئيس الوزراء الصيني؛ وستكهولم السفير الإسرائيلي؛ واسطنبول حيث حادثة دومنيك ستروس خان.
  ثم دخلت الهند عن طريق وزير داخليتها حيث رماه صحفي هندي بحذائه، وتكررت الحادثة في شتى أنحاء العالم على الرغم من أن بعضها ليس احتجاجا وإنما قلة أدب مع بعض الشخصيات العظام حسدا وضغينة كما وقع لأردوكان في اشبيلية من طرف سوري كردي؛ إلى أن وصلت الظاهرة إلى موريتانيا عن طريق أحد مناضلي 25 فبراير الصحفي الشيخ باي ولد الشيخ محمد عندما هتف في وجه وزير الثقافة والصناعات التقليدية والناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية: "وزير الكذب" ورماه بحذاء سمع صوت ارتطامه بالحائط دون أن يتجه صوب الوزير أو تلتقطه الكامرا.
  ويبدو أن رجال الأمن هبو على الصحفي الشاب بعنف لدرج سمع معها أنينه في الفيديو المنشور على اليوتيوب، وقد توجهو به وجهة غير معلومة وقيل إنه أدخل السجن وقد حددت له جلسة غدا الأربعاء بتهمة ارتكاب جنحة.
  وقد بدأ البعض بسحب البساط من تحت الصحفي الشاب الشيخ باي ولد الشيخ محمد، إذ كتب المدير الناشر لموقع ديلول سابقا السيد ماموني ولد مختار في مواقع عديدة، بعد ما شنع وندد بظاهرة الإحتجاج نافيا عنها صفة الأخلاقية، أنه سيباشر الإجراءات القانونية لسحب الموقع من الشيخ باي إن ثبت لديه أنه استغل صفته صحفيا في موقع ديلول، لأنه يكون بذلك "قد أخل بصورة فاضحة وواضحة بشرط التنازل".
  وقد انتقده الأستاذ ولد اشدو انتقادا لاذعا وصفه بالمقلد وأنه خرج بخفي حنين متهما إياه بأنه "لم يتصرف عن قناعة وإيمان بقضية وطنية أو قومية أو إنسانية مقدسة؛ بل كان ضحية الشحن التحريضي الرجعي الرخيص ضد شعب، وضد أمة عرفت طريقها واختارته بوعي وسارت فيه تتحدى المخاطر والعقبات وتسطر الأمجاد الواحد تلو الأخر".
يحي الصغير




ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إعلان